المعتزبالله جلالي لموقع الرابطة: هاجرت مضطرا ولم أعد لذلك العدة
حاوره : حاتم غندير
كرمني الرئيس الشاذلي بن جديد بوسام شرف عام 1987 في الذكرى الخامسة و العشرين لاستقلال الجزائر.
قمت بتغطية العديد من القمم الهامة، منها القمة العربية بالمغرب عام 1982 والقمة الإسلامية في الكويت عام 1987 .. ومؤتمر مدريد للسلام في عام 1991.
يوم 29 يونيو 1992 أعلنت للعالم عبر التليفزيون الجزائري البيان الرسمي لاغتيال الرئيس محمد بوضياف
في سن ال 15 اختارتني وزارة النقل ، لكتابة أسماء الطائرات والسفن السياحية والتجارية وناقلات النفط المملوكة للدولة.
أجريت لقاء تلفزيونيا مع جورج بوش "الأب" عام 1983 ، وكان هو أعلى مسؤول أمريكي يزور الجزائر منذ الاستقلال.
1. هل يمكن أن تعطونا لمحة عن بعض ذكريات طفولتكم؟
طفولتي والحمد لله كانت هادئة سعيدة ومستقرة .. كنت الابن الثالث والأخير لوالديّ - رحمهما الله برحمته الواسعة - لذلك فقد كنت مدللا منذ نعومة أظفاري.
هناك أمران أتذكرهما جيدا، لأن آثارهما امتدت عبر كل مراحل حياتي .. الأول - وهو الأكثر أهمية على الإطلاق - أنني حتى قبل التحاقي بالمدرسة الابتدائية، كنت بتشجيع من والدي أواظب على حفظ القرآن الكريم، مما علمني إخراج الحروف العربية من مخارجها الطبيعية، وأكسبني النطق السليم والفصاحة.
الأمر الثاني وهو لا يبتعد كثيرا عن الأول .. حبي للخط العربي جعلني أهوى تقليد كل خط جميل، مما أكسبني هواية رسم الخطوط العربية بمختلف أشكالها .. هذه الهواية تعلمت منها فضلا عن جمال الخط والصبر، الدقة والاتقان في كل شيء، وهذا شعاري إلى الآن مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
هواية الخط استمرت معي حتى فترة المراهقة - واسمح لي إن كنت قد تجاوزت مرحلة الطفولة الأولى - فأنت عندما تزرع يجب أن تحصد - والحصاد بالنسبة لفتى في الخامسة عشر من عمره آنذاك، كان جميلا بل أكثر من رائع .. لقد اختارتني وزارة النقل الجزائرية من بين آخرين، لكتابة أسماء الطائرات والسفن السياحية والتجارية وناقلات النفط المملوكة للدولة، وبالفعل كتبت أسماء العشرات منها بالخط الكوفي .. ويا له من فخر كنت أحس به لسنوات طويلة، كلما أرى خطي يتربع على إحدى هذه الناقلات الضخمة.
2. متى وكيف التحقتم بالتليفزيون الجزائري؟
هذا سؤال يعيدني إلى سنوات دراستي الجامعية في العلوم الصحفية والإعلامية ... في يوم لن أنساه كان عليّ أن أعرض بحثي في مادة "الاقتصاد السياسي".. صعدت إلى المنصة، وكان الوقت عصرا واليوم الدراسي قد أنهك الطلبة والطالبات، واللغط يعلو تدريجيا .. اقتحمت بصوتي هذا الصخب، فتحولت قاعة المحاضرات إلى صمت وسكون، واشرأبت الأعناق لتتأكد من صاحب هذا الصوت، الذي فاجأهم وجذبهم للاستماع إليه جذبا .. وعندما أكملت عرضي سألني أستاذ المادة "حسن بهلول" إن كنت أعمل مذيعا، فأجبته بالنفي .. تعجب وقال لي أنت موهوب جدا ولديك صوت جهوري مؤثر .. أنت يجب أن تعمل مذيعا، وعرض عليّ أن يساعدني للالتحاق بالعمل في الإذاعة .. شكرته على اهتمامه ومبادرته، وكنت أعمل وقتها محررا صحفيا في جريدة "الشباب".
ومرت الأيام وتخرجت من الجامعة، وكان يجب عليّ أن أؤديّ الخدمة العسكرية الإلزامية، ومدتها عامان في ذلك الوقت .. التحقت بالمدرسة الوطنية لتكوين ضباط الاحتياط في مدينة البليدة، وبعد ستة أشهر من التدريب العسكري المكثف، تخرجت برتبة "ملازم" .. وهنا يحق لي أن أقول بكل فخر أنني كنت أصغر ضابط في الجزائر، إذ كان عمري آنذاك عشرين عاما ... دعني أعود قليلا إلى فترة التدريب العسكري .. وقتها كنت أشارك في تحرير صحيفة الدفعة، فكتبت مقالا مازلت أتذكره جيدا بعنوان "أبجديات الثورة" .. هذا المقال نال إعجاب الجميع، خاصة قائد المدرسة الذي أرسله إلى مجلة "الجيش" الناطقة باسم الجيش الوطني الشعبي، فقامت المجلة بنشره على صفحاتها .. ليس هذا فقط، بل إنها طلبتني رسميا للعمل لديها خلال ما تبقى من فترة خدمتي العسكرية - أي ثمانية عشر شهرا .. هذا النجاح الذي لم أكن أتوقعه أثلج صدري وغمرني بالسعادة، لأنني أولا سأعود إلى مدينتي الجزائر للعمل في هذه المجلة النافذة والإقامة مع العائلة، وثانيا لأنني سأعمل في مجال اختصاصي.
يبدو أنني قد أطلت عليكم في السرد، ولكنها ضرورة التسلسل الزمني للوقائع ... المهم أنني بدأت العمل في مجلة "الجيش" التابعة للمحافظة السياسية للجيش، وكانت مقالاتي تحظى بالاهتمام والتقدير، فأصبحت بعد بضعة أشهر "رئيس القسم الوطني" في هذه المجلة النافذة، التي غالبا ما كانت تصدر بافتتاحية يكتبها الرئيس هواري بومدين "الراحل" .. في هذه الأثناء، علمت قيادة المحافظة من بعض زملائي أنني أمتلك صوتا إذاعيا مميزا، فكلفتني بعد إجراء تجربة صوتية ناجحة، بالإشراف على إعداد "المجلة السينمائية الدورية" للجيش وتقديمها بصوتي إلى جانب عملي في مجلة "الجيش" .. وكان هذا أول سطوع لنجمي في سماء الإعلام .. وبفضل الله عزّ وجل أصبح الطريق ممهدا لي للعمل في الإذاعة والتليفزيون الجزائري خلال العام 1977، بعدما أنهيت الخدمة العسكرية التي امتدت ثلاثة أشهر إضافية، بسبب النزاع حول الصحراء الغربية .. وطبعا بعدما اجتزت بنجاح الاختبارات المهنية الاعتيادية.
3. ما هي أهم المحطات في مسيرتكم العملية بالجزائر؟
مسيرتي العملية في الجزائر كانت حافلة والحمد لله بالإنجازات المهمة والمحطات المشرقة، أذكر منها ذلك التحقيق التليفزيوني الذي أنجزته في بداية الثمانينات عن منطقة "الطاسيلي" في أقصى الصحراء الجزائرية .. تحقيق من سلسلة التحقيقات الكبرى، كان بالنسبة لي ولفريق العمل مغامرة مثيرة .. فقد سافرنا بالطائرة إلى مدينة ورقلة ومنها إلى مدينة تمنراست بالسيارات اللاندروفر - لم يكن مطار تمنراست قد شُيد بعد - وهناك اتفقنا مع وكالة سياحية على تنظيم الرحلة إلى الطاسيلي .. وعند سفح جبال الهقار وضعنا متاعنا وأجهزة التصوير والصوت فوق ظهور "البغال" - أعزكم الله - لتبدأ رحلة صعود شاقة سيرا على الأقدام استمرت أكثر من خمس ساعات، إلى إحدى قممه التي تعلو سطح البحر بنحو 2800 متر، حيث ممر "أسكرام" وهناك أقمنا في الخيام، وبدأتُ أروع مهمة لي بين أحضان التاريخ .. صورنا أكبر "متحف" للنقوش الحجرية في الهواء الطلق على وجه الأرض، يرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، أي إلى أكثر من سبعة آلاف سنة قبل الميلاد، وصورنا هناك أجمل شروق وغروب للشمس .. وقد أنجزت العمل خلال بضعة أيام ثم عدنا أدراجنا مثلما أتينا.
هذا التحقيق اعتبره كثيرون فتحا إعلاميا أوصل كاميرا التليفزيون لأول مرة، إلى معلم إنساني يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، وقد اعترفت منظمة اليونيسكو رسميا عام 1982 بالطاسيلي موقعا من مواقع التراث العالمي، كما اعترفت بأن شروق الشمس وغروبها على هذه المنطقة هو الأجمل في العالم على الإطلاق.
وهناك محطات أخرى كثيرة في مسيرتي العملية لا يتسع المجال لحصرها، أذكر منها أنني أجريت عدة لقاءات للتليفزيون مع بعض قادة الدول، منهم خاصة جورج بوش "الأب" أثناء زيارته للجزائر عام 1983 عندما كان نائبا للرئيس الأمريكي، وهو أعلى مسؤول أمريكي يزور الجزائر منذ استقلالها ... كما أنني قمت بتغطية العديد من القمم العربية والإسلامية والمؤتمرات الدولية الهامة، أتذكر منها القمة العربية الثانية عشرة بالمغرب عام 1982 والقمة الإسلامية الخامسة في الكويت أواخر يناير 1987 .. ومؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، الذي يعد حدثا مفصليا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حظي بتغطية إعلامية عربية وعالمية قياسية غير مسبوقة .. افتتح يوم 30 أكتوبر 1991 في القصر الملكي بالعاصمة الإسبانية وامتد ثلاثة أيام، بحضور الرئيسين الأمريكي جورج بوش "الأب" والسوفييتي ميخائيل غورباتشوف "راعيي المؤتمر" ورئيس الوزراء الإسباني فيليب غونزاليس ووفود عن الدول العربية والمجتمع الدولي، فضلا عن الوفد الإسرائيلي برئاسة رئيس الوزراء إسحاق شامير .. وكما تعلمون فقد أسهم هذا المؤتمر الذي قام على مبدأ "الأرض مقابل السلام" في إطلاق المحادثات المباشرة بين إسرائيل وجيرانها العرب.
هناك محطة أخرى لا يمكن نسيانها لأنها ألقت بظلالها الحزينة على حاضر الجزائر ومستقبلها، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام دخول البلاد في نفق مظلم رهيب .. يوم 29 يونيو 1992 أعلنت للعالم عبر التليفزيون الجزائري البيان الرسمي لاغتيال الرئيس محمد بوضياف ... خبر الفاجعة وملابساتها انفردت به حصريا لمدة عدة ساعات، وتناقلته عني وكالات الأنباء الدولية وتليفزيونات العالم بالصورة والصوت، كما أدرجني به عدد من المؤرخين في ذاكرة تاريخ الجزائر .. أتذكر أنني عندما كنت أقرأ البيان اغرورقت عيناي بالدموع حزنا ليس فقط على بوضياف، الذي كان أحد القادة البارزين لثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي البغيض، وإنما أيضا على حال الجزائر، وما آلت إليه منذ إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 ديسمبر 1991 وبدء المرحلة الدموية القاسية من الإرهاب الأعمى.
4. كرمكم الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد رحمه الله بوسام شرف، بأية مناسبة وهل شعرتم أنه كان هناك تقدير شعبي ورسمي لما قدمتموه؟
قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن اشير أولا إلى أنني في ذلك الوقت كنت رئيس التحرير والمذيع الأشهر في التليفزيون، وكنت أبذل قصارى جهدي ليكون عملي في أعلى مستوى مهني ممكن ومشرّف، من أجل المساهمة في تطوير العمل الإعلامي ومنافسة كبرى التليفزيونات العالمية إخباريا، وهذا التكريم كان بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاستقلال الجزائر التي صادفت يوم الخامس من يوليو عام 1987 .. يومها أقامت الدولة احتفالات كبيرة، ميزها ولأول مرة منذ الاستقلال تكريم نخبة من رجال الفكر والثقافة والإعلام كنت من بينهم، ومنحني رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد شهادته التشجيعية من أجل مواصلة العمل والإبداع.
أنا لا أريد أن أزكي نفسي كثيرا .. صحيفة "عكاظ" السعودية مثلا، نشرت مقابلة معي في عددها 8038 الصادر بتاريخ 11 يوليو 1988 قدمتني في بدايته بالقول "المعتزبالله جلالي اسم لامع في الجزائر والمغرب العربي .. نجح في تحقيق الصورة "المثلى" للمذيع الذي يسعى لتقديم الخبر في إطار من الجدية والثقافة" .. ولقد كنت والحمد لله أحظى بكل احترام وتقدير وثقة، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي اعترافا ببصماتي الواضحة التي ميزت المشهد الإعلامي في الجزائر، وجهودي المخلصة الدؤوبة، من أجل تكريس العمل المنهجي الهادف والطموح، والمساهمة في إعلاء صوت الجزائر وصورتها بين الأمم .. بل إنني كنت على المستوى الشعبي محبوبا جدا بين جمهور المشاهدين، ويوميا كنت أتلقى رسائل ومكالمات إعجاب وتثمين للدور الذي أقوم به في التليفزيون، حتى أن بعض الأسر الجزائرية والعربية أرسلت لي رسائل على فترات متواترة، تخبرني فيها كل عائلة أنها رزقت بطفل أسمته "المعتزبالله" تيمنا بي، وترفقها في بعض الأحيان بشهادة الميلاد .. ولن أنسى ما حييت أن أحد السفراء العرب بالجزائر، أقام حفلا للإعلاميين دعاني إليه، وفاجأنا جميعا بالإعلان خلاله عن ميلاد ابنه "المعتزبالله".
إن هذا الإعجاب والتقدير الذي اعتبره وساما على صدري أعتز به كل الاعتزاز، ألقى على عاتقي مسؤولية كبيرة للاستمرار في نهج المصداقية والجدية والنزاهة، وأضاف أبعادا إيجابية إلى مسيرتي العملية والشخصية، مما دفعني إلى التفكير بجدية وطموح في اقتحام مجال العمل السياسي بالجزائر، وقد شجعني الكثيرون على اتخاذ هذه الخطوة .. وما أن أعلنت وزارة الداخلية خلال عام 1991 عن موعد بدء إجراءات الترشيح في أول انتخابات برلمانية تعددية حرة ونزيهة، حتى بدأت بعض الأحزاب السياسية تعرض عليّ خوض الانتخابات تحت لوائها، لكنني بعد دراسة هذه العروض، تيقنت أنه من الأفضل لي أن أنأى بنفسي عن الحزبية، وأن أخوض غمار الانتخابات مترشحا "مستقلا".
ورغم صعوبة هذا القرار وصعوبة الوفاء بمتطلبات الترشيح - وأهمها الحصول على 500 توقيع من مواطني الدائرة الانتخابية - فقد استطعت أن أترشح حرا مستقلا عن دائرة "بئر مراد رايس" بالعاصمة .. وخلال حملتي الانتخابية، أتذكر أن بعض الأوساط الصحفية استبقت الأحداث، وتوقعت أن أتولى منصب وزير الإعلام في الحكومة الجديدة ... وهكذا فقد جرت الانتخابات التشريعية في موعدها يوم 26 ديسمبر 1991، ولأن "الرياح تجري بما لا تشتهي السفن" فقد ألغيت نتائج هذه الانتخابات، مما أدى إلى اندلاع الإرهاب والحرب المضادة .. وإلى وأد طموحاتي السياسية في مهدها.
5. متى هاجرتم الجزائر، وهل كانت اختيارا أم إجبارا في تلك السنوات؟
كما تعلمون فقد تدهورت الأوضاع الأمنية في الجزائر، بعد استقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، خلال النصف الأول من شهر يناير 1992، وتسارعت وتيرة هذا التدهور عقب اعتلاء الرئيس الراحل محمد بوضياف سدة الحكم بعد ذلك بعدة أيام، وأصبحت أجواء العنف والرعب والدماء سيدة الموقف .. أصبح شبح الإرهاب يتفاقم ليلا ونهارا، حتى صار الإعلاميون هدفا سهلا للعناصر الإرهابية .. بدأت الاغتيالات تقضي على من يقع بين أيديهم أو في طريقهم، ففضل عدد من الإعلاميين الفرار بأرواحهم إلى خارج الجزائر، وبقيت أنا مع من بقيّ على أمل أن يتوقف الإرهاب وتعود الأمور إلى طبيعتها وهدوئها.
شددت الدولة الإجراءات الأمنية حول الإعلاميين، وفي إطارها كان عليّ أن أترك سيارتي جانبا، وأن أذهب إلى التليفزيون وأعود منه إلى مسكني يوميا بسيارة مموهة يرافقني على متنها رجلان من الأمن بالزي المدني لحمايتي .. واستمر تأزم الأوضاع يوميا واتسع نطاقه، وبعد اغتيال مدير التليفزيون "مصطفى عبادة" يوم 14 اكتوبر 1993، امتدت الحماية لتشمل عائلتي ومسكني ليلا ونهارا .. كل هذه الحماية الأمنية لم تمنع الإرهابيين من التخطيط لاغتيالي، وبفضل العناية الإلهية اكتشفت سلطات الأمن العسكري المخطط خلال أواخر الشهر نفسه، وأخبرتني هاتفيا بذلك فورا .. أكدت لي أنها ستشدد إجراءات الحماية بما يكفي لمواجهة هذا المخطط والحفاظ على حياتي، وطلبت مني عدم مغادرة المنزل في أي ظرف ومهما كان .. الخبر نزل عليّ وعلى أسرتي كالصاعقة أو كالحكم بالإعدام .. طيلة أيام وليال لم أذق طعم النوم أو الراحة أو السكينة .. كنت أتساءل هل سيغتالونني وحدي أم مع زوجتي الحامل وأولادي الثلاثة؟ .. هل عملية الاغتيال ستكون بالرصاص أم بالسلاح الأبيض؟ .. هل سينجو منا أحد؟.. هل .. وهل؟؟ .. مئات الأسئلة والاحتمالات كان عقلي يتقاذفها ليلا ونهارا.
أرجوك دعني أتوقف عند هذا الحد .. أنا الآن وبعد كل هذه السنوات لا أريد أبدا أن أنكأ الجراح من جديد ... لا أريد أن أتذكر تلك الأيام الدموية القاسية .. يكفيني أن الله عزّ وجلّ وتقدس في عليائه قد منّ عليّ وعلى أسرتي الصغيرة بالنجاة .. ما يواسيني أن الله تبارك وتعالى أمدّ في عمري .. أعطاني برحمته التي وسعت كل شيء "عمرا جديدا"، ووفقني في الخروج مع عائلتي سالمين من الجزائر إلى البقاع المقدسة حيث أدينا مناسك العمرة، ومن ثم نزلنا بدولة الإمارات العربية المتحدة المضيافة، في الأول من يناير 1994 حيث وجدنا - ولله الحمد - الأمن والسلام.
6. خلال فترة الهجرة الممتدة لنحو 22 عاما، كيف كانت تجربتكم مع المؤسسات التي عملتم معها؟
مما لا شك فيه أنني في بداية فترة الهجرة، كنت أرزح بشدة تحت وقع تلك الصدمة الرهيبة .. بدأت من الصفر تقريبا وهذا ليس عيبا، فالأيام دول "وتلك الأيامُ نداولـُها بين الناس" .. رحلة البحث عن عمل في الإمارات لم تكن بالأمر الهين، ففي عام 1994 لم تكن الفضائيات قد بدأت تتقاطر على الدولة، وكان مجال العمل ينحصر في الصحف والإذاعات والتليفزيونات الوطنية والمحلية .. طرقت أبواب مؤسسات إعلامية عديدة، ومنها مؤسسة الإمارات للإعلام في أبوظبي التي رحبت بي، وتم تعييني فيها بموجب القرار الوزاري رقم 290 لسنة 1994، وفي أواخر عام 2005 انتقلت للعمل في قناة "CNBC عربية" الاقتصادية بمدينة دبي للإعلام .. وبفضل الله عزّ وجل استطعت أن أنهض من جديد، وأن أقاوم الصعاب بصبر وإصرار على مواصلة رحلة الحياة الثمينة .. الشاقة والممتعة في الوقت ذاته، وأن أكتسب بالتزامي واتزاني وأخلاقي، الاحترام والتقدير.
مما لا شك فيه أن الاحتكاك والتعامل مع زملاء ينتمون إلى جنسيات وثقافات مختلفة .. يفكرون ويعملون بطرق وأساليب متباينة، له فوائد عديدة تجعل التعاون والتواصل بين الجميع، في إطار العمل بموضوعية والتزام، تجربة فريدة تسهم في تطوير المهارات العملية والذاتية، وتؤدي بالتالي إلى انبثاق إعلام متوازن وذي مصداقية، في بيئة تنافسية مميزة.
7. بعد هذه السنوات الطويلة في ديار الغربة، هل أنت راض عن المشوار؟
المسألة بالنسبة لي ليست مسألة رضا عن مشوار الغربة بحد ذاته، فبما أنني كنت مجبرا على الهجرة رغما عني, فإن مسألة الرضا عن مشوارها تعتبر أمرا ثانويا .. المهم بالنسبة لي هو رضا الله عني أولا، ثم رضايّ أنا عن نفسي وعما قدمته للإعلام والمجتمع، خلال مسيرتي العملية التي بدأت مبكرا قبل اثنين وأربعين عاما، وأيضا يهمني جدا رضا جمهور المشاهدين عني وعن أعمالي .. إنني والحمد لله راض عن نفسي، لأنني لم استغل مركزي ونفوذي وشهرتي سيئا، ولأنني كنت "مدرسة" في التقديم الإذاعي والتليفزيوني، يتخرج على نهجها إلى الآن العديد من المذيعين والمذيعات، ولأنني أعلم أن محبة الناس لي هي من حب الله الكريم.
إن مشوار الغربة جزء من مسيرتي الطويلة .. أنا عندما هاجرت لم أعد العدة لذلك، ولم تكن هناك أية تحضيرات مسبقة لهذه الخطوة المصيرية .. كان القرار فجائيا فرارا بالنفس والأسرة من أهوال الإرهاب الأعمى، الذي أصابني - كما أسلفت - بصدمة رهيبة مازلت أعاني من آثارها السلبية إلى الآن .. لقد تركت كل شيء خلفي، وكان القرار في الوقت نفسه مغامرة جريئة بكل المقاييس نحو المجهول، ولتدرك قسوة الظروف التي هاجرت فيها، يكفي أن تعلم أنه بعد وصولي إلى دولة الإمارات في اليوم الأول من الشهر الأول من عام 1994 رفقة زوجتي وأولادي الثلاثة، وُلد ابني الرابع بعد 23 يوما فقط من نزولنا بهذه الأرض الطيبة .. وعلى العموم فإن مشوار الغربة بالنسبة لي كان ممتعا رغم بعض الصعاب، اكتسبت خلاله خبرات جديدة وصداقات جديدة ووطنا ثانيا آمنا.
8. هل يمكن أن تعرفونا على أسرتكم الكريمة؟
أسرتي هي وطني الصغير الذي ألجأ إليه دائما .. أرتاح في ظلاله من ضغوط العمل اليومي ومشاق الحياة .. أنهل من ينابيعه ما يروي عطشي إلى الاستقرار والاستمرار ... عائلتي تتكون مني ومن زوجتي وأربعة أبناء - نجلان وكريمتان .. زوجتي ربة بيت وأم رؤوم، وهي أساس راسخ وشامخ في هذه الاسرة، صبرت معي في السراء والضراء، خاصة في أحلك الظروف التي مررت بها .. إنها نِعم الزوجة الصالحة .. كريمتي الأولى حاصلة على بكالوريوس في الصيدلة والعلوم الصحية، وهي الآن زوجة وأم لطفلة تبلغ من العمر عامين ونصف العام "حفيدتي الأولى" .. نجلي الأول حاصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال الدولية .. كريمتي الثانية على أبواب التخرج من كلية الهندسة المعمارية .. نجلي الثاني في سنته الجامعية الثانية ... هذه هي أسرتي .. رأسمالي في الحياة، استثمره للدنيا والآخرة، ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى.
9. هل من كلمة لقراء موقع "الرابطة"؟
أود أن انتهز هذه الفرصة للترحيب بالموقع الجديد، الذي يأتي لسد ثغرة كبيرة يعاني من وجودها الإعلاميون الجزائريون في الخارج، وأملي أن يسهم في مد جسور التواصل والترابط والتعاون فيما بينهم، بما يحقق الخير للجميع وللوطن الأم .. كما أود بهذه المناسبة أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى القائمين على موقع "الرابطة"، الذين اختاروني لكي أكون أول من يحاوره الموقع - وهذا شرف لي - والذين انتشلوني من "بحر" الحياة وأمواجه المتلاطمة، إلى شاطئ الواقع الذي لا مفر منه .. وإلى مرافئ الأيام الخوالي بذكرياتها التي لا تنسى "حلوها ومرها".
كما أود أن أتوجه بالتحية إلى كل الذين واكبوا مسيرتي المهنية، وقدموا لي عبر مراحلها المختلفة، الدعم والعون والنصيحة، سواء من الزملاء الأعزاء في "مهنة المتاعب" أو من الجمهور الكريم الذي لم يبخل عليّ بالحب والإعجاب والتقدير .. أوجه أيضا تحية خاصة إلى كل الذين ساندوني في محنتي الرهيبة .. وإلى كل الذين افتقدوني على الساحة الإعلامية، واقتفوا آثاري وأخباري، وترقبوا عودتي إلى الجزائر الحبيبة .. وأتمنى لموقع "الرابطة" وقرائه أينما كانوا التوفيق والسداد والأمان.